محمد جواد مغنية

264

في ظلال نهج البلاغة

- كما يقال - كلا ، انه صدق في الايمان ورسوخ في اليقين ، ومن بداهة الحقائق ان الخوف من اللَّه يقاس بمعرفته والفهم عنه . وكذلك الرجاء . ومهما شككت فإني لا أشك إطلاقا ان من أكبر الكبائر أن يمتلئ قلب المرء رعبا من المخلوق ولا يخاف الخالق في شيء ، وان من كان هذا شأنه يعامل في الآخرة معاملة الكافر الملحد إلا أن يشاء اللَّه . وأنا أعرف من يعترف بلسانه للَّه بالوحدانية ولمحمد بالرسالة ، ولكن لا أثر في تصرفاته للخوف من اللَّه في كثير أو قليل . . انها تصدر عن مصلحته ، ولا شيء وراءها ، فكيف أصدق انه من اللَّه في شيء حتى ولو طلب العون منه لقضاء مصلحة من مصالح دنياه . . أبدا لا دليل على الإيمان الصادق إلا الخوف من اللَّه عمليا لا نظريا فقط . ( أصبحت عبدا مملوكا ظالما لنفسي إلخ ) . . فرق بعيد بين الطاغية والإمام العادل ، فالأول يريد السيطرة كغاية ، والتحكم بدماء الناس ومقدراتهم ، ويعمل جاهدا لتثبيت السلطان ودوامه في يده وفي نسله ، أو فيمن يشاء من بعده ، والوسيلة الوحيدة التي تضمن له هذه السيطرة ودوامها - كما يفكر ويعتقد - أن يملأ القلوب رعبا وهلعا من بطشه وهيبته ، ومن أجل هذا يعتبر القوة هي النظام الحكيم لسيادته ورئاسته . أما الإمام العادل فإنه ينظر إلى الحكم على أنه تحمّل تبعات ومسئوليات بتأمين الدعة والأمن للرعية ، وإقامة العدل والمساواة بين الجميع ، وانه لو وجد مظلوم واحد في رعيته فهو المسؤول الأول عن ظلامته . ومن أجل هذا الشعور بالمسئولية ، وانه أجير مؤتمن - يرى أنه قد ظلم نفسه بالتصدي للحكم وقبول السلطان ، ولذا ترك بوذا الملك ، وولى هاربا . . ولو أحجم الإمام عن الخلافة في مثل الظروف التي كان عليها المسلمون آنذاك ، والأحداث التي قتل فيها عثمان - ما اخضرّ للإسلام عود ، ولكن الإمام تحمل المسؤولية على ضخامتها ، وظلم نفسه ، لا لشيء إلا لأنه عبد مملوك - كما قال - للَّه وللإسلام وصالح المسلمين . ( اللهم اجعل نفسي أول كريمة تنتزعها من كرائمي إلخ ) . . أراد بالكرائم عقله وسمعه وبصره ، وكل شيء فيه يعينه على التصرف والحركة ، والإمام ( ع ) يتوسل إلى اللَّه أن يبقيه سالما من الآفات ، ويقبضه اليه قبل أن يرد إلى أرذل العمر ، فيعيش قعيدا لا يقوى على شيء ، فيضجر منه القريب ، وينفر البعيد . .